Skip to content
August 10, 2026 19 min read 63 مشاهدة

قراءة في فاجعة الهجرة الجماعية لشباب المغرب نحو سبتة ومليلية

لم تكن الصورة القاتمة والقادمة من محيط معبر تارخال في سبتة صباح الخميس 30 تموز/يوليو 2026 مجرد محاولة للهجرة على عادة المحاولات السابقة المتكررة نحو تلك المدينة المحتلة، بل كانت ترجمة لمأساة شعب يفر من جحيم صنعه له نظام الحكم المغربي،
قراءة في فاجعة الهجرة الجماعية  لشباب المغرب نحو سبتة ومليلية

لم تكن الصورة القاتمة والقادمة من محيط معبر تارخال في سبتة صباح الخميس 30 تموز/يوليو 2026مجرد محاولة للهجرة على عادة المحاولات السابقة المتكررة نحو تلك المدينة المحتلة، بل كانت ترجمة لمأساة شعب يفر من جحيم صنعه له نظام الحكم المغربي، ذلك الطوفان البشري الذي انهارت معه القدرة الأمنية على التصدي والاحتواء، ثم التزامن اللافت مع احتفالات العرش في المغرب، جعل الحدث استثنائيا وحوله من حادث حدود وهجرة لأسئلة حارقة سياسية وأمنية و مجتمعية ودولية.

قراءةفي الوقائع أولا:

بدأت الأزمة على شكل محاولات سباحة متفرقة من السواحل المحاذية لسبتة، ثم تصاعدت خلال الأيام التي سبقت الزحف الكبير، أعلن معها رئيس حكومة المدينة المحتلة خوان خيسوس في فاس وصول أزيد من 1500 شخص خلال عشرة أيام، اللافت أن العبور لم يقتصر على تسلق السياج الحدودي كالمعتاد بل كان المسار الأساسي بحريا.

ثم ماميز موجة الهجرة هذه هو أنها لم تبدأ باقتحام معبر حدودي واحد يمكن تطويقه في نقطة محددة والتعامل معه، بل تحول عرض البحر كله لمسار عبور، ثم بدأت صور العابرين للضفة الأخرى في الوصول والانتشار و بدأ التأثير يتراكم والعدوى تنتشر، وبتنا نرى هجوما عشوائيا على محطات الحافلات والقطارات في معظم المدن للوصول إلى أقرب نقطة من سبتة، فتضخم الأمر حتى استعصى احتواؤه، وبلغ ذروته ساعات بعد خطاب العرش، ففي مساء الخميس وصل السيل البشري الذي عبر سباحة وسيرا على الأقدام إلى مدينة سبتة، حوالي 50 ألف مهاجر، في مفارقة صادمة لحاكم يدعي إنجازات النظام وشعب يفر من مأساة صنعها له النظام!

ثم مع هذا السيل البشري الهادر أثيرت القضايا الأمنية والسياسية، وتنازعتها أقوال وآراء وأثيرت معها نظريات وفرضيات وتخمينات، ثم كان تأثير موجة الهجرة لسنة 2021 حاضرا وجرى عليه القياس مع وجود الفارق والوقائع المخالفة، وغلبا لتخمين بناء على فرضيات وتعسر التحليل بناء على الوقائع لشح المعلومات.

الوقائع المتعلقة بالشق الأمني والسياسي للهجرة:

تفردت هذه الهجرة الجماعية بحجمها وتوقيتها والظروف المحيطة بها، وكان مسارها الأساسي بحرياً،والهجرة البحرية بطبيعتها أصعب وأعقد أمنيا من احتواء بري في نقطة محددة، ثم لم يسبق هذه الهجرة دعوات مكثفة تستوجب استنفارا أمنيا، بل حتى تنامي أعداد الأيام العشرة السابقة للنزوح الكبير يمكن فهمه في سياق ما يعرف بحملات الهجرة الصيفية (بيانات وزارة الداخليةالإسبانية والمنظمة الدولية للهجرة 2022-2025 تظهر أن أشهر الصيف تبقى من أكثر الفترات نشاطاً وتتنامى فيها أعداد المهاجرين)، لكن السيل البشري الهادر كان مساء الخميس تحديدابعد انتشار إشاعات النجاح في الوصول إلى سبتة.

ومع ذلك السيل البشري طرحت المعضلة الأمنية والقراءات المتشعبة، علما أن الوقائع على الأرض فرضت أوضاعها الخاصة والاستثنائية، في فرز اختلال طارئ لمنظومة المراقبة والتصدي، دفعت بقوات الحرس الإسباني كما أظهرت الصور فتح بوابة قريبة من المنطقة الحدودية بعدما وجدت نفسها أمام أعداد تفوق قدرتها على السيطرة والتحكم، وبعدما فقدت الحدود وظيفتها في التصدي والمنع والردع.

وكذلك على الجانب المغربي، فمع احتفالات العرش كانت الأولوية و التركيز الأمني على مكان الاحتفال حيث وجود الملك وأركان الدولة، ما ولد نقصا وخصاصا في مناطق أخرى، وهو ما فتح بعض الشقوق والثغرات التي يسرت هذه الهجرة بهذا الحجم.

وعن الوضع السياسي المتعلق بهذه الهجرة فهو جد مختلف عما كان عليه زمن هجرة عام 2021، فالوضع المتأزم حينها بين الرباط ومدريد وتصريحات السفيرة المغربية في إسبانيا عقب سماح مدريد بزيارة زعيم البوليساريو لإسبانيا وتهديدها المعلن بأن الأمر لن يمر دون عقاب والوقائع والقرائن على الأرض، وتصريح وزير خارجية المغرب بوريطة من أن السلطات المغربية ليست مسؤولة عن الحدود الإسبانية، كلها كانت أدلة على افتعال موجة الهجرة تلك.

أما اليوم فقد انتفت كل تلك المبررات، فعلاقة الرباط بمدريد طبيعية وفي تحسن بل لقد أكدت وزارة خارجية إسبانيا عقب الأحداث الأخيرة أن العلاقات مع المغرب ممتازة، ما يعني أن تفسير الموجة الجديدة للهجرة الجماعية نحو سبتة ومليلية بالتوتر المغربي الإسباني غير وارد و ممتنع، وهو قياس في غير محله على هجرة عام 2021.فهجرة عام 2021 كانت مفتعلة لإدارة أزمة، أما هجرة عام 2026 فهي صناعة لأزمة عصفت بالنظامين.

كما أن موجة الهجرة الكاسحة جاءت مباشرة بعد خطاب العرش بساعات، وكانت مضامينه كلها ادعاءات متضخمة عن إنجازات النظام الكبرى ونجاحاته، فجاءت عكس السياق لتقوض كل تلك الادعاءات وتوجه سهام النقد والنقض لرأس النظام، وهو ما يجعل فرضية الهجرة المفتعلة احتمالا ضعيفا.

تبقى القرينة التي ترقى إلى آلية التحريك وهي التي أشار  إليها كلا النظامين في إسبانيا والمغرب، وهي شبكات التهريب والهجرة، وإن لمتفصح عن اليد الخفية التي تمسك بها، فحسب السلطات الإسبانية فإن هذه التدفقات الاستثنائية تعزى بشكل مباشر إلى استغلال شبكات التهريب لحكم حديث أصدرته المحكمة العليا الإسبانية، يمنع تطبيق الترحيل الفوري على المهاجرين القادمين سباحةً، وهو ما أكده ركوب الشباب البحر سباحة للولوج للضفة الأخرى.

وهو مادفع بالنظامين لمواجهة الطارئ الأمني المتعلق بهذه الهجرة الاستثنائية، وفي بيان لها أشادت وزارة داخلية إسبانيا بالتعاون النموذجي مع المغرب في جميع المجالات، بما فيها الهجرة، وشكر  وزيرها فرناندو جراندي مارلاسكا، السلطات المغربية على الجهود التي بذلتها قوات الأمن المغربية في الأيام الأخيرة، والتي أحبطت آلاف محاولات الهجرة غير النظامية.

أما الدافع الحقيقي واليقيني لهذا الهروب الجماعي وفاجعة ضحاياه فمرده إلى المأساة التي يحياها أهل المغرب، وحجم الخراب الذي أحدثه نظام الخراب في البلد؛ معدلات فقر  وغلاء أساسيات العيش وعطالة الشباب ونسبة الطلاق غير المسبوقة في تاريخ البلد.

بقيت المسألة الدولية واليد الخفية المستفيدة من هكذا وضع، حيث يأتي الفاعل الأمريكي وأعماله القذرة في تعامله مع رئيس وزراء إسبانيا المشاكس(رفض طلب واشنطن استخدام القواعد المشتركة ضد إيران، وأغلق المجال الجوي أمام الطائرات العسكرية الأمريكية) عبر ملف الهجرة الحساس أوروبيا. عطفا على الأهمية الجيوستراتيجية لمدينة سبتة البوابة الجنوبية لمضيق جبل طارق وأطماع ترامب في انتزاعها من إسبانيا، فلقد أثارت لجنة الاعتمادات في الكونغرس قضية سبتة و مليلية في 3 أيار/مايو 2026 بوصفهما "أراضي المغرب تحت الإدارة الإسبانية"،وقبلها شدد عضو الكونغرس الجمهوري ماريو دياز بالارت في نيسان/أبريل 2026 على "أنسبتة ومليلية جزء جغرافي من المغرب، وأن وضعهما يخضع دائماً للتفاوض والمناقشة بينالأصدقاء والحلفاء".

هي مآسينامن صنع أنظمة الاستعمار وقضايانا التي يتناهشها لئام الاستعمار.

الأستاذ مناجي محمد

شارك المقال: