Skip to content
August 04, 2026 19 min read 95 مشاهدة

الضفة الغربية على فوهة بركان!

اقتحامات للمدن والقرى وتفتيش للبيوت والمنازل، اعتقالات وتكسير للأثاث ومنع للتجوال، حواجز وإغلاقات ومصادرة للأراضي، هجوم للمستوطنين وسرقة للمواشي وإحراق وإتلاف للمزروعات، قتل وضرب وتنكيل لمن يحاول
الضفة الغربية  على فوهة بركان!


اقتحامات للمدن والقرى وتفتيش للبيوت والمنازل، اعتقالات و تكسير للأثاث ومنع للتجوال، حواجز وإغلاقات ومصادرة للأراضي، هجوم للمستوطنين وسرقة للمواشي وإحراق وإتلاف للمزروعات، قتل وضرب وتنكيل لمن يحاول التصدي للمستوطنين والدفاع عن أهله وماله ونفسه، قرارات قضائية وتشريعات للكنيست تشرعن الهدم والسيطرة على الأرض وهدم للبيوت وطرد السكان... هكذا هي عناوين الأحداث في الضفة الغربية على مدار الساعة، بل تجتمع أحياناً بعضها مع بعض في الساعة نفسها!

والمتابع لتلك الأحداث والأخبار  يرى بشكل واضح أن ما يحصل هو  ترجمة عملية لتوجهات السياسيين في كيان يهود، حيث لم يعد يخفى على أحد توجهات الكيان وأحزابه القومية والقومية التوراتية بخصوص الضفةالغربية، فتصريحات قادته وعلى رأسهم بن غفير وسموتريتش علنية وواضحة وصريحة، وهي تصدر وتنفذ تحت مظلة التحالف اليميني بقيادة نتنياهو الذي أصبح يتحدث في لقاءاته مع ترامب وقادة الغرب عن لبنان وسوريا وإيران وتركيا، وكأن لسان حاله بأن أمر الضفة لا يتم تناوله على مستوى السياسة الخارجية ولقاءات رئيس الوزراء،وأنه موكول لمجموعة من الوزراء المتعطشين للدماء والمتلهفين للتهجير من حوله.

لقد أضحت الضفة ضمن السياسات المتتابعة والمتلاحقة لكيان يهود والتحالف الحالي الذي يقوده، عبارة عن مربعات متناثرة ومناطق معزولة وأراض لايمكن الوصول إليها ومزروعات لا يسمح بجنيها ومنازل مهددة بالهدم، وبعضها أضحى ركاما مختلطا بأثاث لم يستطع الناس النجاة به. وتحولت الضفة من جغرافيا تشكل 22% من الأرض المباركة بحسب اتفاق أوسلو المشؤوم إلى أقل من 9% بحسب التشريعات والقوانين المستحدثة في الكيان، بل انتقل الهدم والمصادرة إلى ما يعرف بمناطق"أ" و "ب" اللتين من المفترض أنهما الـ9% المتبقية التي تشرف عليها السلطة الفلسطينية.

إن الخطر على الضفة الغربية خطر حقيقي، فالضفة لم تكن على هامش سياسات كيان يهود يوماً، بل تمثل قضية مركزية، فكانت سابقاً عند حزب العمل الذي قاد الكيان عند نشأته واستمر لعقود في رسم سياسته، كانت تشكل العمق الاستراتيجي الضيق الذي لا يمكن التنازل عنه، ولذلك كان كل قادة يهود من ذلك التيار السياسي من عهد بن غوريون إلى رابين وبيريس يعرقلون أي مشروع ينتزع الضفة من كيانهم، ومن ذلك مشروع الدولتين، وهي، أي الضفة الغربية، تمثل عند الأحزاب القومية اليمينية أو العلمانية جزءا لا يتجزأ من كيان يهود لا يمكن التنازل عنه، وعند الأحزاب التوراتية والقومية الدينية هي الأرض المقدسة التي فيها أهم المقدسات المزعومة والمدن التي تحظى بمكانة دينية توراتية، وعلى رأسها القدس و الخليل ونابلس وأريحا، وهي في نظرهم أقدس وأهم من حيفا ويافا وعكا، بل بعضهم يعتبر أن قيام الدولة لن يكتمل إلا بعد السيطرة على الضفة الغربية أو ما يسمونه بمناطق يهودا و السامرة عام 1967م.

ذلك الخطر كانت تحد منه ضغوطات أمريكا، والكروت الحمراء الاقتصادية و السياسية والأمنية المانعة في كثير من الأحيان لسياسات الكيان و توجهاته، والتي كانت تنعكس على حساباته السياسية وأحزابه، فكانت تكبح جماح بعضها بعضا عند الحديث عن الضفة وتنفيذ سياسات ومشاريع كبيرة فيها، وكانت تفضل سياسة السرطان الاستيطاني وفرض الوقائع شيئاً فشيئاً مستغلة الأحداث السياسية والعسكرية في المنطقة و التغيرات في العالم والانتخابات الأمريكية ونتائجها. ولكن مع صعود الأحزاب القومية والقومية التوراتية إلى قيادة كيان يهود،ومع الأحداث الكبيرة المتلاحقة منذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023 إلى الآن تضاعف الخطر أضعافاً مضاعفة وتلاشت الضغوطات و ضعفت سطوة الكروت الحمراء وبات الخطر  وشيكا والوضع خطيرا.

فبينما تنشغل السلطة الفلسطينية منذ سنوات في إفقار  الناس وإسقاط الضفة اقتصادياً وصحياً وتعليمياً وأخلاقياً، وتضيق الوضع الضيق أصلا على الناس، بينما تفعل ذلك كان الكيان الغاصب بالمقابل منشغلاً في جلب آلاف المستوطنين إلى الضفة و تدريب عشرات الآلاف منهم على استخدام السلاح بعد أن تم تسليحهم بعشرات آلاف البنادق الرشاشة، بالتزامن مع تعبئة فكرية إجرامية على ضرورة قتل العرب وتهجيرهم والتخلص منهم، والانتقال إلى الشق العملي لذلك التوجه بتنفيذ سيناريوهات مصغرة لذلك الإجرام في قرى رام الله والخليل ونابلس وغيرها، وتتم مضاعفة النشاط لإنشاء جيش من المستوطنين لا يقل إجراماً عن الجيش الرسمي بل يفوقه في ذلك، فهو  جيش سيكون على شاكلة عصابات الهاجاناه و الأرغون التي ارتكبت المجازر عام 1948م، وهو يتلهف ليعيد ذلك التاريخ الدموي.

وها هي الأحزاب التي تشرف على جيش المستوطنين، والتي يحتاجها نتنياهو لتشكيل حكومة في حال تمت الانتخابات القادمة، ها هي تجعل الضفة المادة الجاذبة للأصوات عند ناخبيها المتعطشين للإجرام، وتنتظر توجه نتنياهو لها بعد الانتخابات للتحالف معها لتشكيل حكومة، تنتظر ذلك اليوم لتضع على طاولته مشاريعها المهمة ومنها مشاريع الضم والتهجير وإنهاء أي حديث إعلامي وسياسي عن مشروع الدولتين بعد أن تم إنهاء ذلك بشكل عملي على الأرض، ولطالما كان نتنياهو يحلم بذلك، ولكن حلمه كان يصطدم بحواجز محلية كالكابوس الديمغرافي والعبء الإداري لثلاثة ملايين مسلم، وإقليمياً بالتفاهمات العربية المبنية على مشروع الدولتين، ودولياً بالفيتو الأمريكي الرافض لذلك، حتى بات ذلك المتعجرف أكثر جرأة في الحديث عن مستقبل الضفة وعنوانها القادم ومصير أهلها.

إن الوقت بالنسبة لأهل الضفة بات ينفد، فمن ينجو من التهجير الطوعي الذي يمارسه الكيان المجرم بمساعدة السلطة العميلة وإشراف من رجالاتها الفاسدين بات مهددا بالتهجير القسري داخل الضفة أو خارجها على يد جيش الكيان ومستوطنيه، وكل تعويل على معارضة من الأنظمة الحاكمة في بلاد المسلمين هراء، وكل ركون إلى الفيتو الأمريكي والحسابات السياسية و مصالح الدول ومشاريعها مجازفة خطرة جداً خاصة في ظل التغيرات الحاصلة. أما التعويل على انتخابات كيان يهود فهو الجنون بعينه، وعلى السياسيين و العسكريين والمدنيين في بلاد المسلمين أن يدركوا ذلك، خاصة في بلاد الطوق؛ مصر وسوريا و الأردن و لبنان، فبعد أن كان الحديث أن خطر الضفة هو نذير خطر عليهم بات الحديث أن الخطر في بلادهم يفاقم الخطر على الضفة، خصوصا بعد تهجير حوالي مليون من جنوب لبنان والتهديد الناري لدمشق ومداهمة لقرى الجنوب السوري، نعم يتوجب على السياسيين أن ينضموا إلى كل عمل سياسي يدفع لتحرك عسكري يخلط الأوراق ويقلب الأمور، وعلى العسكريين التحرك الفوري لإنقاذ الموقف، وأن يكون التمرد هو عنوان المرحلة، وعلى المدنيين أن يدعموا السياسيين ويضغطوا على العسكريين لإنقاذ إخوانهم في الضفة وكل فلسطين وإنقاذ أنفسهم و بلادهم.

بقلم: د. مؤمن عبد الله


جريدة الراية (حزب التحرير)

شارك المقال: