Skip to content
Urusan Umat July 22, 2026 14 min read 22 مشاهدة

الدولة المدنية وتحديات الواقع

برز في الآونة الأخيرة مصطلح الدولة المدنية، وأصبح متداولاً في الأوساط السياسية في بلاد المسلمين وذلك بعد أن فقدت الديمقراطية بريقها ولمعانها من أذهان الناس، وانكشفت مخالفتها لعقيدة الإسلام العظيم، وأحكامه السمحة، حيث لم يستطع الغرب الكافر المستعمر، وعملاؤه في بلاد المسلمين، التسويق للفكر الديمقراطي، والترويج له، فجاؤوا بمصطلح الدولة المدنية من باب التضليل، فهي نظام الحكم الديمقراطي نفسه، والذي يعني حكم الشعب بما يريده الشعب كما يزعمون.
الدولة المدنية وتحديات الواقع

برز في الآونة الأخيرة مصطلح الدولة المدنية، وأصبح متداولاً في الأوساط السياسية في بلاد المسلمين وذلك بعد أن فقدت الديمقراطية بريقها ولمعانها من أذهان الناس، وانكشفت مخالفتها لعقيدة الإسلام العظيم، وأحكامه السمحة، حيث لم يستطع الغرب الكافر المستعمر، وعملاؤه في بلاد المسلمين، التسويق للفكر الديمقراطي، والترويج له، فجاؤوا بمصطلح الدولة المدنية من باب التضليل، فهي نظام الحكم الديمقراطي نفسه، والذي يعني حكم الشعب بما يريده الشعب كما يزعمون.

عرفت الدولة المدنية بأنها نظام سياسي مؤسسي يقوم على أساس المواطنة المتساوية وسيادة حكم القانون والمساواة بين جميع الأفراد في الحقوق والواجبات فيما عرف بالدولة القومية أو القطرية التي أسس لها مؤتمر ويستفالياعام 1648 بعد حرب 30 عاما بين الكاثوليك والبروتستانت، ما أفرز واقعا حتم على دول أوروبا مجتمعة، التوافق على وجود حدود لكل دولة. هذا الأمر وإن بدا مقنعاً فهو يحمل فساده في ذاته، وذلك من ثلاثة أوجه:

الأول: جعل التشريع للناس وليس لرب الناس، وهو أصل الفساد في أي مبدأ لا يقوم على الوحي، فالإنسان لا يصلح أن يكون مشرعا لمحدودية فكره، فهو ناقص وعاجز ومحتاج.

الثاني: الالتزام بالقانون في المبدأ الرأسمالي للدولة المدنية أو الديمقراطية هو أنك إن أمنت الوقوع تحت طائلة القانون فإنك تفعل كل شيء، وما أخبار الفساد وجزيرة إبستين في الغرب الكافر، وما انكشف من فضائح الساسة والحكام، إلا دليل على ذلك. بينما يطبق الإسلام بدافع تقوى الفرد لله أولا، ثم سطوة المجتمع الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر، ثم بقوة الدولة وسلطانها.

الثالث: إنه لا تكاد توجد دولة على وجه الأرض إلا وفيها فئات من أعراق شتى، وأجناس مختلفة، وأديان متعددة، لم تفلح الدولة المدنية والديمقراطية في معالجة وجودهم في بقعة واحدة، وتعايش بعضهم مع بعض. وتحت زعم حماية العرقيات الصغيرة وضمان حقوقها ابتدعت فكرة التمثيل النسبي في الحياة السياسية مع ملاحظة الخصوصية لكل فئة.

إن أبرز التحديات التي تواجه الدولة المدنية في بلاد المسلمين:

أولا: موقفها من الدين حيث تمنع وجود أي تشريعات أوقوانين تنبثق من عقيدة الإسلام والله سبحانه يقول: ﴿إِنِ الْحُكْمُإِلَّا للهِأَمَرَأَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ ما يجعل المسلم يرفضها، فالإسلام دين ومنه الدولة وسائر أنظمة الحياة ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ.

ثانيا: وجود أعراق وأجناس مختلفة في بلاد المسلمين وذلك في كل بلد كما يوجد في بعضها اختلافات مذهبية فكيف تعاطت الدولة المدنية مع هذا التحدي؟ ابتكر المفكر الهولندي آرنت ليبهارت ما يسمى بالديمقراطية التوافقية مقابل الديمقراطية التقليدية التي تعني حكم الأغلبية حيث يقول: (لا بد من التمثيل النسبي لمجتمع متعدد عرقيا دينيا مذهبيا لكل فئاته في الحكومة محاصصة مع حق النقض للأقليات) وكانت النتيجة ترهلاً في الجهاز الإداري والحكم، وفشل الحكومات بسبب وجود غير ذوي الكفاية في المناصب العليا للدولة، ومثال ذلك ما جرى في يوغسلافيا حيث انقسمت إلى سبع دول، وكذلك السودان انقسم إلى دولتين، وما زال حبل التمزيق على الجرار. بينما الإسلام يعمل على صهر الشعوب ويعالج قضايا الناس والمجتمع بوصفها قضايا إنسانية وليست قضايا عرق أو لون أو جنس أو دين، بتشريعات من الوحي وليست من هوى البشر.

 ثالثاً: اعتماد التعددية السياسية باستثناء الأحزاب التي تقوم على أساس ديني في بلاد المسلمين قطعا سيوجد أحزابا وجماعات إسلامية تقود إلى صراع مبدئي يهدد استقرار الحكم ويؤدي إلى فشل الحكومة المدنية ويفتح الطريق واسعا أمام العسكر للانقلاب على السلطة.

رابعاً: فكرة قسمة السلطة والثروة بين مكونات المجتمع يجعل ذلك الحكم كيكة يجب اقتسامها والثروة مغنماً يجب أن يناله السياسي، بينما الإسلام يعتبر الحكم مسؤولية وأمانة وإحسان رعاية، وقد جعلها الإسلام أحكاماً شرعية، فبين كيف تكتسب وكيف تقتسم بين الجميع،فلا يحل للحاكم منها شيء إلا ما يأخذه تعويضاً، وأن العمل السياسي عبادة لله وطاعة وليس عمالة وارتزاقاً.

خلاصة القول فإن الدعوة للدولة المدنية هي دعوة لإقصاء الإسلام وأنظمته عن الحياة واستبدال أحكام وضعية من عند البشر بشريعة الله سبحانه.

وعليه فإنه لا يجوز الحكم بها ولا الدعوة إليها، يقول الله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ، بل إن الفرض الواجب هو الدعوة لتحكيم شرع الله في دولة الخلافة دفعا للميتة الجاهلية التي حذر منها رسول الله ﷺ.

* رئيس لجنة الاتصالات المركزية لحزب التحرير في ولاية السودان

جريدة الراية (حزب التحرير)

شارك المقال: