Skip to content
July 28, 2026 19 min read 87 مشاهدة

المغرب في حسابات الأمن الأمريكي هل يتحول إلى منصة أطلسية جديدة؟

لم يعد من الممكن قراءة التحول المتسارع في العلاقات العسكرية الأمريكية المغربية باعتباره مجرد شراكة تزاحم بريطانيا على النفوذ، وإنما نحن أمام تحرك جاد لسحب البساط
المغرب في حسابات الأمن الأمريكي هل يتحول إلى منصة أطلسية جديدة؟

لم يعد من الممكن قراءةالتحول المتسارع في العلاقات العسكرية الأمريكية المغربية باعتباره مجرد شراكة تزاحمبريطانيا على النفوذ، وإنما نحن أمام تحرك جاد لسحب البساط من تحت أقدامها، يستغل ثغرةتوتر العلاقة مع الجزائر. فخلال فترة قصيرة، انتقلت العلاقة من مستوى التعاون الدفاعيالثنائي إلى مستوى أكثر تركيباً، عنوانه بناء شراكة طويلة الأمد تمتد لعقد كامل وتربطبين الجغرافيا المغربية والحسابات الأمنية الأمريكية في غرب المتوسط وأفريقيا.

ففي 16 نيسان/أبريل 2026،وقعت أمريكا والمغرب خارطة طريق للتعاون العسكري للفترة 2026-2036في ختام أشغال الدورة الرابعة عشرة للجنة الاستشارية للدفاع الأمريكي المغربي. وجاءهذا الاتفاق باعتباره امتداداً لاتفاقية التعاون العسكري لمواجهة التهديدات المشتركةالتي وقعت سنة 2020، والتي رسمت آنذاك إطاراً لعشر سنوات من التعاون الدفاعي بين البلدين.

لكن الفارق بين الاتفاقيتينيكمن في طبيعة المرحلة. فإذا كانت اتفاقية 2020 قد ركزت على تعزيز التعاون والتنسيقفي مواجهة التحديات الأمنية، فإن خارطة الطريق الجديدة تعكس انتقالاً نحو شراكة أكثراتساعاً تشمل مجالات التكنولوجيا العسكرية، والصناعات الدفاعية، والأمن السيبراني،والتدريب، وتبادل الخبرات. وبذلك تصبح العلاقة أقل ارتباطاً بملفات ظرفية، وأكثر اتصالاًبتصور استراتيجي طويل المدى.

بعد ثلاثة أشهر تقريباً،جاءت الخطوة العملية الأبرز مع توقيع القوات المسلحة الملكية المغربية والقيادة العسكريةالأمريكية في أفريقيا (أفريكوم)، يوم 13 تموز/يوليو 2026، مذكرة تفاهم لإنشاء المركز الأفريقي للتدريب والتجريب متعدد المجالات (AMTEC)بمدينةطانطان.

وقد جرى توقيع المذكرة بمقرقيادة "أفريكوم" في مدينة شتوتغارت الألمانية، من طرف الفريق أول محمد بريظ،المفتش العام للقوات المسلحة الملكية وقائد المنطقة الجنوبية، والجنرال داغفين أندرسون،قائد القيادة العسكرية الأمريكية في أفريقيا.

المشروع، الذي سيضم منطقةتدريب متعددة المجالات، وأكاديمية للطائرات المسيّرة، ومركزاً للابتكار والتجريب، يكشفأن الرهان لم يعد يقتصر على التدريبات العسكرية التقليدية، بل يتجه نحو مجالات أصبحتتحدد طبيعة الحروب الجديدة: الذكاء الاصطناعي، الحرب الإلكترونية، الأنظمة غير المأهولة،والقدرة على اختبار التكنولوجيا في بيئات عملياتية حقيقية.

ومن هنا تبرز أهمية الربطبين خارطة الطريق والمركز المزمع إنشاؤه. فالمركز ليس مشروعاً منفصلاً، بل يبدو جزءاًمن تصور أوسع يهدف إلى بناء قدرة عسكرية إقليمية مرتبطة بالمعايير والتكنولوجيا الأمريكية.

لفهم ذلك، يجب النظر إلىالتحول الذي عرفته الاستراتيجية الأمريكية بعد نهاية الحرب الباردة. فحلف شمال الأطلسي،الذي تأسس أصلاً لمواجهة الاتحاد السوفيتي والدفاع عن المجال الأطلسي، توسع دوره بعدانهيار الخصم التقليدي. ولم يعد نشاطه مقتصراً على الدفاع الجماعي داخل حدود أعضائه،بل انخرط في عمليات خارج مجاله الأصلي، كما حدث في البلقان ثم في ليبيا عام 2011.

هذا التطور لم يلغ أهميةالحلف، لكنه غيّر طبيعة عمله. فقد أصبحت أمريكا تعتمد بشكل متزايد على شبكة من الشركاءخارج العضوية الرسمية، دول تمتلك مواقع استراتيجية وقدرات إقليمية تسمح لها بلعب أدوارأمنية متقدمة. والمغرب يمثل إحدى هذه الحالات؛ فهو ليس عضواً في الناتو، لكنه حليفرئيسي لأمريكا من خارج الحلف، ويرتبط معها بعلاقات دفاعية متطورة، وهي تحاول من خلالهذه المحطات المتتالية تطويعه لرؤيتها الاستراتيجية التي تقوم على الحفاظ على النفوذبأدوات أقل كلفة وأكثر اعتماداً على الحلفاء.

وتكمن أهمية المغرب في موقعهقبل أي شيء آخر. فهو يطل على المحيط الأطلسي، ويتحكم في مدخل غربي للبحر المتوسط، ويقعبالقرب من منطقة الساحل التي أصبحت إحدى أكثر مناطق العالم اضطراباً. لذلك فإن قيمتهفي الحسابات الأمريكية لا ترتبط فقط بقوته العسكرية، بل بجغرافيته التي تربط بين ثلاثةفضاءات استراتيجية: الأطلسي، والمتوسط، وأفريقيا الغربية.

وهنا تظهر أهمية البعد الأطلسي.فالمنافسة الدولية لم تعد تدور فقط حول القواعد العسكرية البرية، بل حول الموانئ، وطرقالتجارة، وأمن الطاقة، وسلاسل الإمداد. ومع تنامي حضور الصيناقتصادياً وروسيا أمنياً في أفريقيا، أصبحت أمريكا أكثر اهتماماً ببناء شبكة من الشركاءالقادرين على حماية مصالحها في فضاء واسع يمتد من غرب أفريقيا إلى البحر المتوسط.

في هذا السياق، يكتسب المغربأهمية إضافية بسبب علاقاته المتعددة: شراكة دفاعية مع أمريكا، علاقات اقتصادية مع أوروبا(يُراد إضعافها)، حضور اقتصادي متزايد في غرب أفريقيا، وانفتاح على مجالات تكنولوجيةدفاعية جديدة بعد اتفاقات التطبيع مع كيان يهود.

لكن هذا التحول لا يمكنأن يمر دون تداعيات إقليمية، وخاصة بالنسبة للجزائر. فحتى لو لم يكن التعاون الأمريكيالمغربي موجهاً ضدها بشكل معلن، فإن تغير موقع المغرب داخل الشبكات الأمنية الغربيةسيؤثر بلا شك على البيئة الاستراتيجية المحيطة بها.

فالجزائر تجد نفسها أمامواقع جديد: شريك غربي يعزز موقعه العسكري والتكنولوجي غرباً، ومنطقة الساحل التي كانتتشكل مجالاً حيوياً لها، تعرف إعادة ترتيب عميقة بعد تراجع النفوذ الفرنسي لصالح أمريكا،ومنافسة دولية متزايدة على أفريقيا.

غير أن هذه التحولات يمكنقراءتها أيضاً من زاوية مختلفة. فالجزائر تمتلك عناصر قوة كبيرة: موقعاً جغرافياً استراتيجياً،وموارد طاقية مهمة، وقدرات بشرية وعسكرية معتبرة. وقد تكون المرحلة الحالية فرصة لإعادةتعريف موقعها الدولي على أساس تنويع الشراكات، وبناء قاعدة صناعية وتكنولوجية محلية(وخاصة فيما يتعلق بالصناعات الثقيلة)، مع تقليل الاعتماد على الخارج.

فالتجربة الدولية تظهر أنالدول التي تحافظ على استقلال قرارها ليست بالضرورة تلك التي تبتعد عن الجميع، بل هي التي تمتلك القدرة على التعامل مع القوى الكبرى من موقعالندّية. وهذا الدرس قد يكون مهماً للجزائر ولكل من يريد التحرر من ربقة الاستعمار.

في النهاية، فإن خارطة الطريقالعسكرية الأمريكية المغربية ومشروع AMTECفي طانطان يعكسان تحولاً في طبيعة بناءالنفوذ في القرن الحادي والعشرين، حيث لم تعد القوة تبنى فقط بالقواعد العسكرية، بلبشبكات الشراكة والتكنولوجيا ومراكز التأثير.

ويبقى السؤال مفتوحاً: هليتحول المغرب فعلاً إلى إحدى ركائز البنية الأمنية الأمريكية في الأطلسي وأفريقيا؟لكن السؤال الأعمق: هل ستظل منطقة المغرب العربي مجالاً تتنافس فيه مشاريع الآخرين،أم أنها قادرة على استعادة دورها التاريخي عبر مشروع حضاري ذاتي يعيد للمنطقة مكانتها؟

فالخلافة الراشدة الموعودة،بما تحمله من قيم العلم والعمران والعدل، يمكن أن تشكل إطاراً لبناء نهضة حقيقية تجعلمن شمال أفريقيا فاعلاً في صناعة المستقبل، لا مجرد ساحة تتشكل فيها خرائط النفوذ الدولي،﴿وَاللَّهُ غَالِبٌعَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾.

المهندس وسام الأطرش

شارك المقال: