Skip to content
سیاسی تجزیہ July 22, 2026 14 min read 27 مشاهدة

زيارة رئيس أوزبيكستان إلى جورجيا طريق للوصول إلى أوروبا أم تبعية جديدة؟

قام ميرزياييف بزيارة إلى جورجيا، اعتبرها الكثيرون حدثاً دبلوماسياً عادياً، ولكن في الواقع، قد تكون هذه الزيارة واحدة من الإشارات المهمة التي تدل على التوجه الجيوسياسي لأوزبيكستان خلال العقد القادم.
زيارة رئيس أوزبيكستان إلى جورجيا طريق للوصول إلى أوروبا أم تبعية جديدة؟

قام ميرزياييف بزيارة إلى جورجيا، اعتبرها الكثيرون حدثاً دبلوماسياً عادياً، ولكن في الواقع، قد تكون هذه الزيارة واحدة من الإشارات المهمة التي تدل على التوجه الجيوسياسي لأوزبيكستان خلال العقد القادم.

وإذا قيمنا هذه الزيارة على أنها مجرد علاقات ثنائية بين بلدين، فسنكون قد أغفلنا الجانب الأهم. فالموضوع الأساسي لهذه الزيارة ليس جورجيا نفسها، بل يتعلق بالمسار الجيوسياسي الذي ستختاره أوزبيكستان في الربع الثاني من القرن الحادي والعشرين.

فعلى مدى الثلاثين عاماً الماضية، اعتمد ترانزيت التجارة الخارجية لآسيا الوسطى بشكل أساسي على روسيا. بعد ذلك، بدأت الصين في الدخول بقوة إلى المنطقة من خلال الاستثمارات والقروض والبنية التحتية. والآن، يحظى الممر الممتد عبر بحر قزوين إلى أذربيجان وجورجيا وتركيا باهتمام أكبر بكثير. ومن الخطأ فهم هذا التغيير على أنه مجرد مسألة نقل فحسب؛ فطريق النقل يمثل دائماً طريقاً للنفوذ السياسي، وهو جزء من حسابات جيوسياسية كبرى.

ولذلك فإن السؤال الأساسي اليوم هو: هل تسعى أوزبيكستان للخروج من نظام الترانزيت المعتمد على روسيا لتحقيق استقلال حقيقي، أم أنها تشكل تبعية جديدة مع مراكز جيوسياسية أخرى؟

والإجابة على هذا السؤال يجب أن تبدأ من موسكو.

فبالنسبة لروسيا، لا تعد آسيا الوسطى مجرد منطقة جوار عادية، بل هي جزء حيوي من أمنها واقتصادها ونفوذها الجيوسياسي. وإذا عززت أوزبيكستان ارتباطها بأوروبا عبر ممرات تلتف على الأراضي الروسية، فسيكون هذا تغييراً ذا أهمية استراتيجية لموسكو. والخطر الرئيسي بالنسبة لموسكو ليس خط السكة الحديدية بحد ذاته، بل يكمن في ظهور خيارات بديلة أمام آسيا الوسطى. لذلك، فإن المهمة المحتملة لروسيا لن تكون إغلاق هذا الممر بأي ثمن، بل الحفاظ على نفوذها الاقتصادي ومصادر الطاقة والنفوذ السياسي في المنطقة. وهذا يتوافق مع سعي أي دولة كبرى لحماية مصالحها.

أما نظرة الصين إلى هذه العملية فهي مختلفة؛ إذ إن وسيلة نفوذها الأساسية ليست عسكرية، بل اقتصادية. فالصين توسع نفوذها من خلال الاستثمارات والصناعة والبنية التحتية والتجارة. وحتى لو تم تشغيل ممر القوقاز الجديد، فمن المرجح أن تحاول الصين المشاركة فيه بدلاً من تجنبه. فالأهم بالنسبة لها هو وصول بضائعها التجارية إلى الأسواق الأوروبية وضمان استمرارية العلاقات الاقتصادية.

وتنظر أمريكا إلى هذه العملية بحسابات أخرى. فبالنسبة لها الهيمنة المطلقة لروسيا أو الصين في آسيا الوسطى أمر غير مقبول. ولذلك، فإن تنويع أوزبيكستان لعلاقاتها الاقتصادية الخارجية يحمل بالتأكيد أهمية استراتيجية معينة من وجهة نظر أمريكا. وفي السنوات الأخيرة، جرت مناقشة اتفاقيات اقتصادية كبرى وخطط استثمارية بين أوزبيكستان وأمريكا. ورغم التأكيد المتكرر على وجود مصالح متكافئة للطرفين في هذه العمليات، إلا أن السؤال الحاسم في أي تعاون يبقى دون تغيير: من الذي يملي الشروط ومن يحصل على الفائدة الكبرى؟ لذلك، في أي تعاون خارجي، يجب أن يطرح سؤال بأي شروط؟ قبل سؤال مع من؟

وتعد تركيا حلقة طبيعية في هذه السلسلة؛ إذ يعزز دورها الجغرافيا واللغة والتقارب الثقافي. لكنها تتحرك أيضاً وفقاً لمصالحها الوطنية الخاصة. لذلك، كأي دولة أخرى، تقوم تركيا أولاً وقبل كل شيء بحساباتها الاقتصادية والسياسية الخاصة.

ولكن في اعتقادي، فإن السؤال الأهم في هذا المقال هو أمر آخر.

لماذا في كل نقاش دولي حول أوزبيكستان تُذكر مصلحة روسيا، أو مصلحة الصين، أو مصلحة أمريكا، أو مصلحة تركيا، بينما تتراجع مصلحة الشعب الأوزبيكي إلى المرتبة الثانية؟

في الإسلام، ليست وظيفة الدولة ممارسة لعبة التوازن بين القوى الخارجية. فالدولة أمانة، والسلطة مسؤولية، والثروات الباطنية والظاهرية هي حق للأمة. ولذلك، فإن السؤال الأول لأي اتفاق خارجي يجب أن يكون: كيف سيؤثر هذا على عقيدة الشعب، وأمنه، واقتصاده، وعلى الأجيال القادمة؟!

فإذا فُتح الطريق إلى أوروبا، وأدى ذلك إلى تقوية الصناعة الأوزبيكية، وجلب التكنولوجيا، ونمو الإنتاج، وتحول البلاد من مصدر للمواد الخام إلى دولة منتجة لسلع ذات قيمة مضافة عالية، فإن هذا سيخدم مصلحة الشعب.

ولكن إذا كان الممر الجديد سيُستخدم فقط لتسريع نهب الذهب والنحاس واليورانيوم والغاز وغيرها من الثروات الاستراتيجية ونقلها إلى الخارج، وتدفقت الاستثمارات الأجنبية دون أن يتغير الوضع الاقتصادي للشعب وجودة التعليم والقدرة الإنتاجية، فإن هذا التغيير سيكون تجميلياً وسطحياً فقط، ولن يتغير جوهر التبعية.

ولذلك فإن التقييم الحقيقي لزيارة ميرزياييف إلى جورجيا لا يقاس بالموانئ أو السكك الحديدية، بل بالنتائج التي ستظهر بعد بضع سنوات. فهل ستصبح أوزبيكستان دولة تتخذ قراراتها بشكل مستقل بعد تنويع اتجاهاتها الخارجية؟ أم ستظل مجرد ساحة صراع مهمة أخرى في منافسة القوى الكبرى؟

لا أحد يستطيع الإجابة على هذا السؤال بشكل قاطع في الوقت الحالي.

لكن هناك حقيقة واحدة واضحة وهي أن مصلحة شعب أوزبيكستان المسلم لا تتطابق تلقائياً مع مصلحة روسيا، أو الصين، أو أمريكا، أو أوروبا. وإن حماية المصالح الحيوية لشعب أوزبيكستان لن تكون مضمونة ومكفولة إلا إذا تم تطبيق الإسلام كنظام للحياة.

فليس كل طريق يُفتح نحو أوروبا هو باب للنجاح، بل قد يكون العكس تماماً؛ ففي بعض الأحيان قد تقف خلف الباب الجديد تبعية جديدة. لذلك، فإن المهمة الأكثر أهمية لأوزبيكستان ليست السير نحو أوروبا، بل أن تملك الإرادة السياسية التي تضع مصلحة شعبها في المقام الأول، أياً كان الاتجاه الذي تسلكه. يقول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ.

جريدة الراية (حزب التحرير)

شارك المقال: