Skip to content
خبریں July 22, 2026 13 min read 40 مشاهدة

الاقتصاد الأوروبي إلى أين؟

لم يعد السؤال المطروح في أوروبا يتعلق بكيفية استعادة معدلات النمو الاقتصادي، ولا بكيفية خفض معدلات التضخم أو احتواء أزمات الطاقة فحسب، بل أصبح سؤالاً أكثر عمقاً: كيف يمكن للقارة أن تحافظ على أمنها الاستراتيجي دون أن تفقد قدرتها الصناعية، وأن تحمي اقتصادها من المنافسة العالمية دون أن تتخلى عن النموذج الاقتصادي الذي صنع ازدهارها طوال العقود الماضية؟
الاقتصاد الأوروبي إلى أين؟

لم يعد السؤال المطروح في أوروبا يتعلق بكيفية استعادة معدلات النمو الاقتصادي، ولا بكيفية خفض معدلات التضخم أو احتواء أزمات الطاقة فحسب، بل أصبح سؤالاً أكثر عمقاً: كيف يمكن للقارة أن تحافظ على أمنها الاستراتيجي دون أن تفقد قدرتها الصناعية، وأن تحمي اقتصادها من المنافسة العالمية دون أن تتخلى عن النموذج الاقتصادي الذي صنع ازدهارها طوال العقود الماضية؟

فمنذ نهاية الحرب الباردة، بنت القارة الأوروبية نموذجها الاقتصادي على ثلاث ركائز أساسية: الطاقة الروسية الرخيصة، والانفتاح التجاري على السوق الصينية، والاعتماد الأمني على الولايات المتحدة. وقد وفر هذا النموذج بيئة مثالية لازدهار الصناعة الأوروبية، خاصة في ألمانيا، التي أصبحت قاطرة الاقتصاد الأوروبي بفضل قدرتها على الجمع بين الطاقة منخفضة التكلفة، والأسواق الخارجية الواسعة، والاستقرار الأمني الذي وفرته المظلة الأمريكية.

لكن هذه المعادلة بدأت تتفكك تدريجياً، ثم انهارت بصورة متسارعة مع الحرب الروسية الأوكرانية. فقد فقدت أوروبا مصدرها الرئيسي للطاقة الرخيصة، وارتفعت تكاليف الإنتاج إلى مستويات غير مسبوقة، بينما دخلت العلاقات الاقتصادية مع الصين مرحلة من الشكوك الاستراتيجية، بالتزامن مع تحوّل الولايات المتحدة من مجرد حليف أمني إلى منافس اقتصادي يسعى إلى جذب الاستثمارات والصناعات الأوروبية إلى أراضيه.

وفي خضم هذه التحولات، برز تحد جديد يتمثل في إعادة بناء القدرات الدفاعية الأوروبية. فسنوات طويلة من تقليص الإنفاق العسكري، والاعتماد على حلف شمال الأطلسي، تركت العديد من الجيوش الأوروبية أقل استعداداً لمواجهة بيئة أمنية أصبحت أكثر اضطراباً. لذلك اندفعت الحكومات الأوروبية إلى زيادة ميزانيات الدفاع وإطلاق برامج واسعة لتحديث الجيوش وتوسيع الصناعات العسكرية.

غير أن هذه الضرورات الأمنية اصطدمت بواقع اقتصادي شديد التعقيد. فالقارة تحتاج، في الوقت نفسه، إلى استثمارات ضخمة لإنقاذ صناعاتها المدنية، ودعم التحول نحو الاقتصاد الأخضر، وتطوير التكنولوجيا، وتعزيز الابتكار، والحفاظ على قدرتها التنافسية في مواجهة أمريكا والصين. ومع محدودية الموارد، وارتفاع مستويات الدين العام، وتباطؤ النمو، أصبح الإنفاق على الدفاع وعلى الصناعة يتنافسان على المصادر المالية نفسها.

وهكذا وجدت أوروبا نفسها أمام معادلة لم تعرفها منذ عقود: الأمن يحتاج إلى صناعة قوية، والصناعة تحتاج إلى استثمارات هائلة، بينما تؤدي زيادة الإنفاق العسكري إلى تقليص الموارد المتاحة لدعم الاقتصاد المدني. وفي الوقت ذاته، لا تستطيع القارة إغلاق أسواقها أمام الصين بالكامل، لأنها تعتمد على منتجاتها وسلاسل توريدها، كما لا تستطيع مجاراة أمريكا في حجم الحوافز المالية التي تقدمها لجذب الصناعات.

إن هذه المفارقة ليست أزمة مالية مؤقتة، ولا نتيجة مباشرة للحرب في أوكرانيا وحدها، بل هي انعكاس لتحول عميق في بنية النظام الاقتصادي العالمي، حيث لم تعد المنافسة تُحسم فقط بحجم التجارة أو انخفاض تكاليف الإنتاج، وإنما أصبحت تُقاس بقدرة الدول على حماية صناعاتها، وتأمين سلاسل إمدادها، وتحويل الاقتصاد إلى أحد أدوات القوة الجيوسياسية.

ومن هنا، فإن فهم السياسات الأوروبية الحالية لا يكون من خلال قراءة القرارات الاقتصادية منفصلة عن البيئة الاستراتيجية، بل من خلال إدراك أن أوروبا دخلت مرحلة جديدة، انتقلت فيها من منطق اقتصاد السوق المفتوحة إلى منطق اقتصاد الأمن القومي، حيث أصبحت الصناعة، والطاقة، والتكنولوجيا، والإنفاق الدفاعي، حلقات مترابطة في معركة أوسع لإعادة تعريف مكانة القارة في نظام دولي يتجه نحو مزيد من الاستقطاب والتنافس بين القوى الكبرى.

إن الأيام القادمة حبلى بالمفاجآت، ولا سيما على الصعيدين الاقتصادي والجيوسياسي، فالتغيرات المقبلة حتماً ستغيّر شكل النظام الدولي الحاكم. وكل المؤشرات تدل على أنه يفقد شرعيته يوماً بعد يوم، حتى بدأت تظهر عليه علامات الشيخوخة والوهن، وما إن يظهر مبدأ آخر يمتلك مقومات القيادة حتى يزيحه عن وجه البسيطة.

ولا يوجد مبدأ قادر على القيام بذلك إلا المبدأ الإسلامي، فهو وحده القادر على قيادة العالم إلى بر الأمان، وإخراجه من الضنك الذي غاص فيه عقوداً طويلة.

فحتى يظهر على الساحة الدولية وينشر نوره وعدله، فإن ذلك يحتاج إلى رجال صادقين، صدقوا الله العهد، وعقدوا العزم على استئناف الحياة الإسلامية، وإقامة دولة الخلافة الراشدة، تحقيقاً لبشرى رسول الله ﷺ: «ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةً عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ».

فيا شباب الأمة الإسلامية، إن القرار اليوم بأيديكم، فإن تمسكنا بالعروة الوثقى، وخلعنا هؤلاء الحكام الخونة وأذنابهم، وقطعنا السيطرة الغربية على بلادنا وثرواتنا، وأقمنا دولة الخلافة، فإن عز الأمة ومجدها سيعودان، بإذن الله، في القريب العاجل. فهلم، واعملوا معنا لإقامتها، لنعجل الخير لهذه الأمة، وللعالم أجمع.

قال الله تعالى: ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُم مَّاء غَدَقاً﴾.

جريدة الراية (حزب التحرير)

شارك المقال: